أخبار وطنية دراسة سوسيولوجية تقدم ارقام كاشفة عن الفقر في تونس ومعاناة "مجتمع الهامش" من أزمة الكورونا
لفتت دراسة أصدرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحت عنوان "سوسيولوجيا الهامش في زمن الكورونا"، وهي من انجاز الأستاذ في علم الاجتماع ماهر حنين، لفتت الانتباه الى خصوصيات "مجتمع الهامش" في زمن وباء الكورونا. وسعت الدراسة الى الإجابة عن السؤال المركزي التالي "كيف عاش مجتمع الهامش والهشاشة في تونس منعطف الكورونا؟"
المجتمع المندمج مقابل المجتمع غير المندمج
وأشار الاستاذ حنين الى انّ التونسيين بحكم اختلافاتهم وتفاوت مستوى معيشهم ودخلهم ومواقعهم الوظيفية لم يتقبلوا حدث "الكورونا" وطرق التوقي واملاءات السلطة التنفيذية بنفس الطريقة اذ ليس لهم نفس التمثلات والتصورات للخطر مما يؤكد ضرورة سوء تفاهم بين مجتمعين على الأقل: المجتمع المندمج من جهة والمجتمع الموازي وغير المندمج.
ابراز المجتمع التحتي والمجهري والمغيّب
وقال حنين انّ الدراسة تهدف أيضا الى ابراز هذا المجتمع التحتي والمجهري والمغيّب في مثل هذا الظرف حيث ان الاهتمام باللامرئيين (les invisibles) الاجتماعيين هو في جوهره اعتراف بوجودهم، فهؤلاء المقصيين والمهمشين والمغيبيين من حقهم التمتع بكل الحقوق ودون تمييز أولها ان يكون لهم صوت في الفضاء العمومي وحتى لا يكون حكرا على الطبقات المهيمنة أي فضاء بورجوازي.
مجتمع الهامش في قلب العاصفة
وتعرضت الدراسة الى عدة فئات اجتماعية منها فئة المهمشين من أصحاب المهن الهشة والمهاجرين الأفارقة ومتساكني الأرياف المعزولة والمحرومة من التنمية التي تشهد انقطاع واضطراب توزيع المياه الصالحة للشراب، والاحياء الشعبية ذات الواقع المركب والمعيش اليومي المختلف.
وكشفت الدراسة بالارقام انّ مجتمع الهامش يتكون ايضا من 700 الف معطل عن العمل و285 الف عائلة معوزة و622 الف عائلة ذات دخل محدود وحوالي 70 الف عامل حضيرة، و40 بالمائة من 950 الف متقاعد يتقاضون جراية اقل من الاجر الأدنى المضمون نضيف اليهم آلاف النساء العاملات في القطاع الفلاحي واللواتي يمثلن 70 بالمائة من مجمل اليد العاملة الفلاحية. كما بيّنت انّ قاعدة الهرم الاجتماعي العريضة تشكو الخصاصة وضيق ذات اليد وتصطدم بحدث الكورونا الذي يربك حياتها.
ولايتي القيروان والقصرين في اسفل قاعدة الهرم الاجتماعي
كما يبلغ عدد التونسيين الذين يعيشون الفقر المدقع 320 الف تونسي وهم عاجزون على توفير حاجياتهم الأساسية الغذائية قبل حاجياتهم الأخرى من سكن ولباس وتوجد ولايتي القيروان والقصرين في اسفل قاعدة الهرم. وفي القيروان وحدها يعيش 85 الف تونسي تحت عتبة الفقر المدقع و199 الف تحت عتبة الفقر.

-الاستاذ في علم الاجتماع ماهر حنين
شهادات كاشفة
وقدمت دراسة "سوسيولوجيا الهامش في زمن الكورونا" شهادات لعدد من المواطنين الذين يعيشون على الهامش مثل المواطنة "سناء" وهي عاملة فلاحية من معتمدية بن عون من ولاية سيدي بوزيد كانت توفر لعائلاتها 11 دينار يوميا بعد كلّ عمل فعلي (أجرها الصافي 14 دينار تقتطع منه 3 دنانير كلفة التنقل من بن عون إلى الضيعة الفلاحية) فقدت عملها في الأيام الأخيرة و العمل في الحقول صار يمثل خطرا جديدا هو خطر العدوى لكن الوقوف عن العمل اكراه صعب ومر اذ تقول ''ليس لنا حلّ آخر غير ذلك.. في البداية واصلنا العمل مع تخفيض عدد النساء على متن الشّاحنة الواحدة ولكن في الأخير أُجبرنا على التوقف عن العمل في الضيعة وفي هذا خسارة مالية لي ولعائلتي.. زوجي كان يعمل بشكل متقطع على عربة مجرورة ''كريطة '' وهو منذ مدة غير قادر عن العمل بسبب المرض.. تقدمنا بمطلب للحصول على منحة العائلة المعوزة دون جدوى، فهو لم يبلغ بعد سن الـ60 حسب ما يقوله المسؤولون ولا يحق له ذلك".
أما "سهام" وهي من سكان حي التضامن فقالت انه ''يصعب على الناس هنا الالتزام بالحضر الصحي فطريقة عيشهم وتسوّقهم يعيقهم.. هناك أزمة وعي نعم لكن هناك وضعيات صعبة كذلك.. يوم الأحد، الناس كانوا يتسوقون تقريبا كالايام المعتادة "الناس تدور كي العادة".
تونس تقف على عمق المعاناة الاجتماعية للهامش
ونظرا لخصوصيات هذا الواقع، اعتبرت الدراسة أنّ العرض السياسي المطروح على مواطني الاحياء الشعبية بالانخراط في مقاومة الوباء يحتاج الى ان يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الحياة اليومية والاجتماعية داخل هذه الاحياء. كما لاحظت انّ ادراة الازمة مركزيا وجهويا بينت بصورة فعلية انّ السلطة المحلية حديثة التأسيس بعد انتخابات ماي 2018 لا تملك القدرات الكافية لوجستيا وماديا وسياسيا للتصدي لمطالب الجهات. واعتبر حنين انه بسبب الوباء هذه المرة، تقف تونس على عمق المعاناة الاجتماعية للهامش وعلى القطيعة التي تفصل جزء من النخبة الاقتصادية والسياسية على حقيقة هذا الواقع.
وفي هذا السياق، تساءل حنين عن أي معنى لوحدة وطنية وتوافق في ظلّ مجتمع مفكك وماهي المهام النضالية الأولى للمرحلة الراهنة لجعل درس الازمة المفترض هو استحالة العيش المشترك مستقبلا في ظل مجتمع تبتعد قاعدة هرمه الاجتماعي عن قمته كثيرا ويسودها التباس وتنافر متبادل وفي ظل خيارات ليبرالية ورأسمالية تحكم في تونس وفي العالم.
بوصلة الحقوق الاقتصادية الاجتماعية
ودعا حنين الى اعتماد بوصلة الحقوق الاقتصادية الاجتماعية كبوصلة قادمة تفترض القيام بادماج اقتصادي واجتماعي لفئات هشة يكون مرتبطا بادماج سياسي، فالعرض السلفي كما العرض الخيري ينزع عن الحق الاجتماعي دلالته الكونية والسياسية وينقلها الى مجال أخلاقي خيري.. وحذر الباحث من إدارة الظهر للمسألة الاجتماعية من قبل القوى المدنية والتقدمية وخلق الفراغ القانوني في مجتمعات الهامش وانسحاب الدولة فهي مسائل لم تعد تحتمل بل هي اليوم تهدد العملية الديمقراطية برمتها.
وأشار حنين الى الدور المرتقب للعلوم الاجتماعية والانسانية في المعركة القادمة نظريا برنامجيا وعمليا وهو دور تتأكد فيه قيمة الحريات الأكاديمية كمكسب من مكاسب الحريات العامة والذي يجعلها في خدمة المجتمع بدءا من فهمه وبحثا عن شروط تنميته.
حتى لا تظل الديمقراطية التونسية عرجاء ومهددة
وختم حنين الدراسة مناديا بارساء وتكريس العمل الائق، الحق في الصحة والتعليم والمرافق العمومية وخطط النهوض العاجلة بالجهات الأكثر فقرا، أمننا وسيادتنا الغذائية، حماية نسيجنا الاقتصادي الوطني وهي مقدمات ادماج فعلي يقوم على العمل من اجل انتاج الثروة والعدالة والتكافؤ والاحترام. فطالما ستستمر نفس السياسات الاقتصادية ولا يتم تحويل تطلعات الفئات والجهات والمناطق المحرومة الى هدف مركزي لتصور السياسات وتنفيذها فستظل الديمقراطية التونسية عرجاء ومهددة.
رابط الدراسة كاملة:
شيراز بن مراد